أكتب لأنني أريد أن أكون "جمل المحامل" لا "جمل الهزائم"، وأريد أن أنفض تراب الأسئلة عن مفاهيمي القديمة,, أكتب لأرى وأعرف وأتعلم، وأبدأ من نقطة الصفر

Tuesday, November 22, 2005

تـأمــلات في 10 سبتمـــــــــبر



في رأيي أن 11 سبتمبر يمكن أن يكون يوماً مهماً في تحرير العقل الأميركي والغربي عموماً من أوهامه، بدلاً من أن يتحول الى حائط مبكى يشعل الحروب


هل ثمة فارق «حقيقي» ، «واقعي» واضح بين أميركا قبل 11 سبتمبر وبعده؟
لا أنصح صديقاً بالبحث عن اجابة لهذا السؤال المفخخ، لأن ملايين الكلمات التي دارت حول هذا التاريخ لن تقدم شيئاً جدياً يساعد على بلورة الاجابة، ولأن 11 سبتمبر لم يكن أبداً التاريخ الحقيقي لميلاد الصدام بين الاسلام والغرب، ولم يكن أبداً الباعث على التحرك الأميركي لمزيد من الهيمنة على العالم تحت شعار «محاربة الارهاب»، كما لم يكن دافعاً لتخصيص المليارات لتأسيس منابر اعلامية موجهة نحو الأدمغة العربية مباشرة، ولم تبدأ معه موجات الكراهية للعرب والمسلمين,,, الخ.
أميركا في 10سبتمبر كانت تفعل - أو تنوي أن تفعل - كل ما فعلته وسوف تفعله منذ 11 سبتمبر وحتى عقود طويلة مقبلة، ربما تكون هناك تغيرات طفيفة تتعلق بسرعة انجاز أميركا لمستهدفاتها الاستراتيجية القديمة، وتعديل بعض البرامج، وترتيب بعض الأولويات، ورفع درجة حرارة لغة الخطاب، وتركيز الضوء على بعض الأو جاع الانسانية الفردية، كما لو أن الشعب الأميركي «يعاني» مثله مثل شعوب الأرض الأخرى، لكن هذا كله يتم داخل الاطار العام بحيث تخدم التفاصيل الموضوع الرئيسي المستمر منذ قرون سابقة على 11 سبتمبروالذي سوف يستمر بعده لأجل غير معلوم!!.
من المؤكد طبعاً أن أميركا في 10 سبتمبر لا تتطابق تماماً مع أميركا في 11 سبتمبر حسب الرؤية الفلسفية التي تقول أن الانسان لا ينزل النهر مرتين لكن هذه المقولة الفلسفية الخادعة تشير الى التفاصيل، وتتناول الصيرورة في أدق حالاتها بمعنى أن التغييرات الطفيفة التي تحدث والتي لا يمكن ادراكها قد تنجح في احداث تغيير ما اذا تراكمت على مدى زمني طويل جداً على غرار نظرية «تأثير الفراشة» التي تقيم وزناً لكل تفصيلة صغيرة باعتبار أن رفة جناح الفراشة قد تكون سبباً أساسياً لهبوب العواصف والأعاصير عبر تراكم طويل.
حتى اذا أخذنا بهذه الرؤية الفلسفية - وهي صحيحة - فان أميركا قبل وبعد 11 سبتمبر هي ذاتها مع متغيرات طفيفة، بحيث يبقى السؤال مطروحاً: ما هو اذن الفارق «الحقيقي» و«الواقعي» الواضح الذي يدفعنا للاحتفاء بهذا التاريخ المحظوظ «11 سبتمبر» فيما ننسى يوم «10 سبتمبر» الذي يكبره بيوم؟

الاجابة التي تعودت أن أرد بها دوماً على الأسئلة - أسئلتي بالذات - هي: لا أعرف، لكنني أشعر هذه المرة بالخجل من كثرة طرح الأسئلة من دون تقديم اجابات لها، لذلك وبعد تفكير عميق اهتديت الى «الفارق الواضح »الذي أسأل عنه، ان أميركا بعد 11 سبتمبر لديها فرصة واقعية عظيمة لتأسيس حديقة كبيرة ونصب تذكاري في «مساحة الفراغ» التي خلفتها التفجيرات المباغته.

قد يظننى البعض أسخر من الدولة العظمى التي ترهب الجميع وتفرض الهيمنة على أصقاع الأرض، لكنني أؤكد لكم أنني أتحدث بجدية وواقعية بعيداً عن أي مهاترات سياسية، واضعاً في اعتباري المفاهيم الحضارية والفلسفية التي تليق بالمثقف الكوني الذي يتعاطى مع «ماما أميركا» باعتبارها رمز الحضارة الانسانية المعاصرة دون اهتمام مريض ببقايا الشعارات القومية والوطنية القديمة التي تأسر الأفكار الانسانية في زنازين ضيقة باسم الهوية والخصوصية، وما الى ذلك.


في رأيي أن 11 سبتمبر يمكن أن يكون يوماً مهماً في تحرير العقل الأميركي والغربي عموماً من أوهامه، بدلاً من أن يتحول الى حائط مبكى يشعل الحروب القبلية البدائية على طريقة داحس والغبراء، ويغذي الحقد والكراهية ضد الشعوب الأخرى.
لقد حررت أميركا قطعة من أرضها في ذلك اليوم، وبدلاً من المصارف والبورصات وشركات الهيمنة، ومكاتب المخابرات المركزية وبدل مكعبات الأسمنت والحديد المسماة بمركز التجارة العالمي، أصبح لديها الامكانية لتزرع الزهور والأشجار وتضع المقاعد للعشاق

فهل تنتبه أميركا الى أهمية «الأرض» وقدر قيمة النظرة الأفقية بعد سنوات طويلة من التعمق الرأسي، والنزوع المرضي لمناطحة السماء؟
وهل تدرك الفارق «الحقيقي» و«الواقعي» بين 10 سبتمبر و11 سبتمبر؟
كنت قد نويت التركيز على الدرس الثقافي لـ «11سبتمبر»، لكنني فوجئت بحالة من التماهي بيني وبين الصديق حسن أحمد عبدالله الذي أختار الموضوع والعنوان مركزاً على المفارقة بين الزمنين من خلال تحليله لنصوص مؤتمر مناهضة العنصرية في مدينة دروبان في جنوب افريقيا العام الماضي قبل أيام من أحداث سبتمبر.
قال الشاعر اللبناني المعادي للهيمنة والقمع والرقابة «لا يمكن أن يكون لذكرى 11 سبتمبر أي معنى اذا بقيت وحدها «الرؤس الحامية» تصوغ جدول أعمال العالم».
وأنا اذ اتضامن مع المقولة لا أستطيع كالعادة أن أمنع نفسي من طرح الأسئلة.. وسؤالي له ولكم: من يقدر اذن على صياغة جدول أعمال العالم؟ وأين نجده؟ وكيف؟ ومتى؟ و,,,,,,,,؟؟؟

e.mail:tamahi@hotmail.com

رســــــا لـة ســــــــريـة


اتخذت موقفاً عدائياً من سعاد حسني حتى اكتشفت أنني كنت أتجنبها لأنني في الحقيقة، كنت أتمناها



أيها الأصدقاء المراهقون في كافة مراحل العمر.. أعترف أنني ظللت عشرين عاماً أخجل من مشاهدة الأفلام العاطفية مع أفراد أسرتي خاصة لو تضمنت قبلات ومشاهد غزل ودلال، واتخذت موقفاً عدائياً من سعاد حسني حتى اكتشفت أنني كنت أتجنبها لأنني في الحقيقة، كنت أتمناها، أو حسب تعبير الشاعر الهندي العظيم طاغور: "كنت أخجل من المديح لأننى في أعماق نفسى أشتهيه" ولذا أيها الأصدقاء الخجولون أدعوكم لخلع..
تريثوا ولا تسيئوا الفهم.. أدعوكم لخلع الأقنعة، واستكشاف ما يدور في أعماق نفوسكم فربما كان "المظهر المقدس" يخفي داخله قليل من "الفكر المدنس"، وربما كانت "الراقصة" أكثر شرفاً من "المدرسة" كما أنبأنا جان بول سارتر في "المومس الفاضلة"، فنحن نعيش في عصر التمويه والتزييف واختلاط الأمور وغياب الحقائق بالرغم من هذا التعري فالملابس التي خلعتها النساء في أعقاب انفجار ثورة الجسد، ارتدتها الحقيقة بحيث لم يعد هناك ما كان يسميه البعض "الحقيقة العارية"، فكل شئ عاري ماعدا الحقيقة.. لذا أيها الأصدقاء المراهقون في كل مراحل العمر، لا تنزعجوا من تلك الصرخات الهستيرية المتعصبة لدعاة الأخلاق وحراس الفضيلة، فخلف كل صرخة غاضبة رغبة جارفة في الامتلاك والامتطاء والمماجنة والتهام التفاحة المحرمة.
لا تنخدعوا من تلك المرأة العارية التي توزع ابتساماتها ونظراتها الموحية، والمساحات الخاصة من جسد وهمي مصبوغ بالضوء والوعود الكاذبة، فداخلها تاجر نصاب يسرقكم، وخلفها تاجر نصاب يسرقها ويسرقكم.!

المرأة التي تريدكم لا تخلع ملابسها في الشارع ولا تتدلل أمام الكاميرات، كذلك المرأة التي تريدونها لن تجدوها في لعبة الإغواء الافتراضية الساذجة على الفضائيات والشبكة العنكبوتية.. أما إذا كنتم قد وقعتم بالفعل في هوى ?المرأة السلعة? فيجب أن تتعلموا الحذر وتتحسسوا رؤوسكم عندما تبدأ سالومي في الرقص حتى لا تلقوا مصير يوحنا المعمدان?
هل تصدقون أيها الأصدقاء المراهقون في كل مراحل العمر أننا ندفع ثلاثة مليارات دولار مقابل النظر لصور النساء العاريات؟ كما ندفع ثمانية مليارات قيمة اشتراكات المواقع الإباحية على شبكة الإنترنت التي وصل عدد صفحاتها إلى 650 مليون صفحة حسب إحصاء عام 1998، فيما يتوقع خبراء الشركات العملاقة العاملة في مجال الاتصالات وتقديرات وزارة التجارة الأميركية أن يكون عدد هذه الصفحات الماجنة قد وصل إلى أكثر من ستة مليارات صفحة في منتصف العام الجاري؟
في ظل هذا "الإغواء التجاري الكوني" فقدت الأنثى حرارتها التلقائية، وفرضت "الصنعة" شروطها بحيث لم يجد بجماليون أمامه سوى احتراف "القوادة" واستنساخ معشوقته "جالاتيا" في ملايين النسخ الافتراضية ربما انتقاماً من تمردها عليه لتتسع دائرة الإغواء بشكل كوني مجنون حسب القاعدة المعروفة "العنف يولد العنف"، و"الإغواء يولد الإغواء" خاصة مع مخطط توسيع مساحات "ديموقراطية العري" و"ثقافة الاستربتيز"، وتحويل "المحظور" إلى "مسموح مألوف"، و"الممنوع" إلى "مرغوب مباح" عبر أساليب أصبحت من "علامات" التطور والتقدم في الحضارة الحديثة.. حيث يتم استخدام الفنون بأشكالها وبيوت الأزياء ومصانع مستحضرات التجميل، ونمط الإعلان، وترويج المفاهيم عن الصورة المطلوبة للأنثى بحيث بات الاحتشام مرادفاً للتخلف، والعري دليلاً على التحرر والتعرف على جغرافيا الذات.!!

في هذا الإطار دخلت الأغنية العربية "حفل الاستربتيز الكوني" كما دخلته من قبل كافة الأنشطة الثقافية والسياسية والاقتصادية، بحيث عثرت مشاهد "السيمي بورنو" على مشروعية دخول البيوت، ولم يعد غريباً أن تتصاعد شهرة هيفاء وهبي وسوزان تميم ونانسى عجرم، وروبي وتقوم الدنيا ولا تقعد من أجل كتف حليمة بولند وظهر باسكال مشعلاني واسطوانات الراقصة دينا، وبالطبع غالبا ما يجد "المجتمع الديموقراطي" متسعاً من الوقت والجهد لمتابعة أخبار وصور "لطيفة العرفاوي" باسترخاء وسماحة لكنه لا يجد الوقت لاستيعاب ـ أفكار وإبداعات "لطيفة الزيات"، كما أن الانفراجة الديموقراطية التي دعت البرلمان المصري لتبرئة أفلام السينما المصرية من الخلاعة بعدما ثارت ضجة حول مشاهد العري والقبلات في أفلام مثل "مذكرات مراهقة" لإيناس الدغيدي و"أسرار البنات" لمجدي أحمد علي وغيرها، وكذلك تبرئة كليبات نانسي عجرم وغيرها، هذه الانفراجة لم تحتمل كتاب "الوصايا في عشق النساء" للزميل الشاعر أحمد الشهاوي، ورأت فيه مساساً بالقيم، و"مجوناً" بل واستهانة بالدين الإسلامي، كما لم تحتمل من قبل بضعة ألفاظ مكشوفة في رواية "وليمة لأعشاب البحر" لحيدر حيدر، وأزمة الروايات الثلاث التي أطاحت برئيس الهيئة المصرية لقصور الثقافة علي أبوشادي.

ولست أدري لماذا رأى النائب الإسلامي مصطفى محمد مصطفى البعد "الشهواني"? وحده في كتاب "الشهاوي" ولم يره في كل وسائل الإعلام وإبداعات الفنون الأخرى؟ ولماذا لا يزال الخوف والقلق من الكلمة المكتوبة أقوى من كل ما نسمعه وما نشاهده وما نمارسه في حياتنا اليومية؟ هل يعيدنا ذلك إلى ما كتبناه في مقال سابق، لنقول أيضاً إن "الفضيلة" في زماننا أصبحت هي الأخرى "كلمة".. مجرد كلمة!!
لاشك أن القضية تحتاج إلى المزيد من "المكاشفة" و"الشفافية" و"التعري"
فاخلعوا..

اخلعوا الأقنعة.


E.mail: TAMAHI@HOTMAIL.COM

قـابيــل.. أيــن أخــاك؟

الإنسان ليس شخصاً واحداً لكنه أكثر من شخص في جسد واحد


لماذا يصر أحدهما على قتل الآخر؟
سيد روائي ناجح ومشهور يرتدي "الكرافت" ويحرص على ارتياد الأوبرا، بينما محمود مثقف بوهيمي تحرر من قيود الشكل والملبس الكلاسيكي يرتاد الحانات يعيش الحياة أكثر مما يفكر فيها

سيد يتزوج من دون أن يحب، ومحمود يحب من دون أن يتزوج.
سيد ومحمود تؤمان، لكن أحدهما لا يشبه الآخر إلا في ملامح الوجه.
سيد قتل محمود وتقمص شخصيته وسرق حياته وعلاقاته، ووزع روحه وعقله وعمره بين حياتين، اختار الضوء والشهرة والنجومية لكن إحساسه بصدق وطزاجة الحياة التي يعيشها شقيقه دفعته لإزاحته والتسلل داخلها تحت ستائر الليل والظلال الهادئة بعيداً عن وهج الضوء وسجن البروتوكولات

سيد قتل محمود حباً وإعجاباً وطمعاً في حياة لم يمتلك الجرأة على إعلان إعجابه بها.
محمود عاش بعد موته بإرادة سيد، وسيد فقد "الحياتين" معاً، لأنه لم يستطع أن يتحمل "قرينه"، لأن الروائي الناجح لم يفهم رواية دويستويفسكي، ولم يدرك أن الإنسان ليس شخصاً واحداً لكنه أكثر من شخص مختلف في جسد واحد، ويزداد نضجاً وقوة وبقدر ما يستطيع أن يتفهم الخلافات بين هذه الشخوص ويجعل من الإختلافات فرصة للثراء والتناغم، لا إلى الصراع والتنافر.


قصة سيد ومحمود التي رواها نجيب محفوظ ويوسف شاهين في فيلم "الإختيار" قابلة للتكرار دوماً، سواء في نفس الإتجاه أو الاتجاه المعاكس لكي يظل السؤال قائماً? لماذا يصر أحدهما على قتل الآخر؟
كان "دوريان جراي" سعيداً بجماله وشبابه إلى حد الإختيال والتباهي، وتأمل صورته البهية وتمنى لو امتلك القدرة على تبادل المواقع بينه وبينها بحيث يظل هو شاباً، ووسيماً إلى الأبد، فيما تكبر وتشيخ الصورة التي احتفظ بها في "غرفة سرية" أسفل منزله وتحققت أمنيته لكنه لم يستطع أن يستمتع بجماله استمتاعاً إيجابياً، كما لم يستطع أن يتحمل بشاعة الصورة التي حملت عنه خطاياه وأراد أن يتخلص من هذا الدليل المؤلم علي بشاعته فطعن صورته.. فمات..!!

كولاج يضم نجيب محفوظ واوسكار وايلد وأرثر ميللر مع مارلين مونرو ولوحة تخيلية لآدم وحواء في بداية الخلق

هكذا علمنى أوسكار وايلد مبكراً ضرورة الحفاظ على الصورة، لأنها في كثير من الأحيان هي "أنت"، فلا تبصق في المرأة ولا تتخلص من صورتك.. اعتن بنفسك ونظف روحك "الصورة تطلع حلوة"، وساعتها لن نضطر لتكرار السؤال: لماذا يصر أحدهما على قتل الآخر؟

الأخ العقيد معمر القذافي مفكر أخضر "صديق للبيئة"، ينظر إلى السماء دوماً ليلتقط أفكاره من ثقب أسود في إحدى المجرات أو من زركشات متداخلة في سقف الخيمة التي يفضل الحياة داخلها، ثم يخرج علينا بآراء فلسفية وسياسية عميقة، كما أن لديه قدرة فذة على حل المشاكل المستعصية بأساليب لغوية سحرية تزيل كل المتناقضات بمجرد النطق بكلمة واحدة ليست من نوع "شمهورش" فالقائد القومي الفذ "أمين القومية العربية" توصل مثلاً إلى حل الصراع العربي الإسرائيلي، باختراعه السياسي العجيب "إسراطين" الذي يجمع لغوياً بين العدو والشقيق من دون حساسية لكن "المفكر الأخضر" الذي قدم العدو على الشقيق ولم يقل "فلسرائيل" ربما تأدباً وتحضراً أعلن فجأة في إحدى غزواته أو نزواته السياسية عن كراهية عدائية لأخيه الخليجي ورأي أن أحدهما في الجنة والآخر في النار فالزعيم الافريقي لا يرى علاقته مع عرب آسيا منطقية، ولا يقيم وزناً لكل ما تجرعه وجرعه لشعبه من فوائد لوحدة اللغة والهدف والمصير، لكن الزعيم ما بعد الحداثي الذي يفكك اللغة و"يخرم" السياقات ويحطم الزمن ويسبح عبر المستقبل في قفزات غير متوقعة في اتجاهات مختلفة ويوزع نفسه بين صور عديدة للمفكر والثوري ورجل الدولة لم يقل لنا.. لماذا يصر أحدهم على قتل الآخر?
هيكل داعب صورته القديمة فأهتدي إلى فكرة تأخرت طويلاً لاعتزال الكتابة، ثم ترك الباب "موارباً" واكتفى بالانصراف لكي يتمكن من تلميع صورته بيني وقت وآخر فيما أطلق صحافى كبير بصحيفة الأهرام رصاصة مجهولة علي صورته فاختفى هو نفسه بصورة غامضة تاركاً مكانه علامة استفهام كبيرة، وكتابات متناقضة، كأنهما لشخصين يتربصان ببعضهما، ومحرر "عصامي" ترعرع في ظل الصحف الشعبية اعتكف في مكان مجهول احتجاجاً على "أي حاجة"، ربما هو نفسه لا يعرفها!!، فالمحرر الذي بدأ بائعاً لـ"البسبوسة" ثم مصوراً صحافياً، لا يرى زعيماً حقيقياً في العالم كله سوى عادل إمام ولا رمزاً بعد صالح سليم، وبعد أن تخصص في ارتياد سهرات النخبة المخملية والتقاط فضائحهم بالعين، والأذن لم يستطع أن يتحمل التناقض المذهل بين الحياة التي نشأ فيها والحياة التي يعيشها بحكم عمله، ولم يستطع أن يحب أقل من ملكة جمال الجزائر، أو يصادق أقل من مشاهير الفنانين.. لقد تحولت حياة المصور إلى مجموعة من الصور مع هيكل والرئيس الجزائري وعمرو دياب وغيرهم.!

لكن ماذا كان يشعر في داخله وهو يدخل حفلاتهم لاصطياد فضائح يقتات منها؟
ماذا كان يشعر عندما يترك عدسته لزميل آخر من أجل أن يلتقط له صورة مع هذا النجم أو ذاك في محاولة لتحنيط الزمن في لحظة خارج سياق حياته الطبيعية؟
ربما لا يدرى المصور/الضحية أنه وضع الصورة في مواجهة الحياة، والساكن أمام المتحرك وأراد أن يوقف تدفن الزمن ويحوله إلى لقطات "فوتوغرافية" فخسر "الحياتين" معاً..
لم يستطع أن يستمر في مسكنه الشعبي في حدائق القبة، ولم يشعر أبداً أنه نفس الشخص الذي يسكن في حي الزمالك فغاب وبقيت الصورة لكنه حتى الآن لا يعرف لماذا يصر أحدهما على قتل الآخر؟
وأعتقد أننا جميعاً لا نعرف، لأننا نتبادل كل يوم أدوار القاتل والمقتول


E.mail: TAMAHI@HOTMAIL.COM

Thursday, November 03, 2005

ثقافة نانسي



خلع سمته الوقور متناسياً سنواته الستين، والأعباء المنوطة به كمثقف كبير ودخل علينا إحدى غرف المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة وهو يتمايل طرباً فيما يسند "كرشه" بإحدى يديه، ويفرقع بأصابع اليد الأخرى في الهواء مردداً أغنية نانسي عجرم "أخاصمك آه.. أسيبك لا"

كنت مع ثلاثة من كبار المثقفين العرب نُقلّب في جثث عدد من القضايا التي قتلت بحثاً في حادث الصدام الحضاري الشهير بين الشرق والغرب.. عندما دخل المثقف المهيب في هيئته "التجديدية" المستوحاة من عوالم "الفيديو كليب" وبدا بشكله "الكلاسيكي/الجامد" وسلوكه "المتحرر/المبتذل" وكأنه يسعى لإثبات إمكانية المصالحة بين طرفي معادلة "الأصالة والمعاصرة"، أو إخضاع كلمات نانسي لتحليل البنيوية التوليدية كما قدمه لنا وكيل لوسيان جولد مان في مصر
المدهش أن أحداً منا نحن الأربعة الموجودون بالغرفة لم يشعر بالدهشة، كما لم يشعر المثقف المهيب بالخجل، إذ يبدو أن الأشياء كلها­ قديمها وجديدها­ لم تعد صالحة لإثارة الدهشة في "زمن العجب" الذي نعيشه، لذلك استمر المثقف الرصين في وصلة "الخلاعة" مشيراً إلينا بضرورة الاستعداد الفوري للانتقال إلى حيث "يحلو السهر" في ضيافة مثقف كبير آخر أعد للمدعوين ما لذ وطاب من الطعام والشراب.

حاولت الاعتذار ففوجئت بحملة استنكار واسعة كادت تثبت علي بالأدلة الدامغة تهم "التخلف" و"الجمود" والوقوع تحت تأثير الجماعات السلفية المتشددة التي تحاول أن تنزع عن ديننا الحنيف سماحته ويسره.

لم يكن الأمر يحتمل فتح أبواب مناقشة عقيمة لأن "أبونواس" كان قد نجح في إزاحة "أبوتمام" وسيطر تماماً على الموقف برمته ولم يعد هناك مجال لعقل أو منطق? فخرجت مع الضيوف الكرام ­ بلا مزايدات أو كلام­ على أن أنسحب بهدوء بعد وقت قصير.. لكن ذلك الوقت القصير كان كافياً، للتعرف على أحدث أخبار النميمة في الوسط الثقافي من الماء إلى الماء كما كان كافياً للتعرف على فوائد الطعام والشراب، والمتع الحسية الأخرى.
عادي.. عادي جداً
هكذا قال لي صديق في اليوم التالي بعدما أخبرته عن "المثقف العجرمي"، و"شلة أبو نواس" وعندما حاولت أن أشرح خطورة الأمر من وجهة نظري شمر الصديق عن كلماته مظهراً رغبة فاشية في حسم النقاش بالضربة القاضية، ولكمني قائلاً: وماذا في ذلك?.. ألم تشرب يوماً؟.. ألا تعرف آخرين من صغار المثقفين يشربون؟.. فلماذا التهجم على الكبار فقط؟.
لم أرد، لأنني لم أسع من الأساس إلى مبارزة كلامية، كنت أريد أن يلتفت الصديق إلى المأزق الداخلي لكبار المثقفين العرب.. يبدو أن ثمة مشكلة نفسية عميقة تهدد استقرارهم ومصالحتهم مع أنفسهم، بحيث لا تعكس تصرفاتهم إحساسا بالرضا عن الذات أو رغبة في التنفيس عن مكبوتات، بقدر ما تعكس حالة من الاستسلام للسائد ورغبة في الهروب من قيود مهام لا يحبونها ولا يؤمنون بها بما يكفي لكنها مع ذلك تحقق لهم قدراً من الوجاهة الخارجية التي يصعب الاستغناء عنها فيمارسونها علناً في الصباح وأمام العيون المفتوحة، لكنهم في الليل يخلعون الأقنعة ويتحولون إلى كائنات أخرى أقل تحضراً من النماذج التي كانوا ينفذونها في الصباح، بما يعيد للأذهان التماثل الشائع بين المثقف العربي وقصة "دكتور جيكل ومستر هايد"

نعم هناك من يشرب يوماً، وهناك من يشرب دوماً.. وهناك من يعتبر الركاكة والتبذل استراحة محارب استعداداً لمعركة جديدة.. ويمكن أن يظل الأمر في حدود الحرية الشخصية والسلوك الفردي، لكن المخيف أن نسكت ونحن نرى أعراض "مرض وبائي" تظهر على شخصيات تتعامل مع ملايين العقول ويصل تأثيرها إلى كل مكان، وبصرف النظر عن ازدواجية المثقف العربي ومعاناته مع الفصام بين القول والفعل يجب أن ندرك أن ثمة حداً أدنى للمغامرات "الإمبريقية" للمثقف حتى لا تنقطع الشعرة بين "الإبداع والجنون"، أو "الإبداع والجريمة"، أو"الإبداع والشذوذ والتهتك" وهو ما عانى منه مثقفون ومبدعون كبار في العالم كله فانتهت رحلة إبداعهم، بل ورحلة حياتهم ذاتها بسبب ذلك السقوط الذي نتج عن تحولهم من أسياد يمتلكون ذواتهم إلى عبيد يلهثون خلف رغبات تلك الذات مهما كانت وجاهة المبررات التي يلوكونها.

ذلك هو الفارق الذي أدهشني بين أوسكار وايلد وآرثر ميللر.. الأول أكلته الفضائح المشينة، والآخر وصلت به الجرأة وقوة الشخصية إلى درجة ربما نلومه عليها جميعاً.. لقد قام ميللر بطلاق مارلين مونرو.. الأنثى التي مازالت صورتها تستعبد ملايين الرجال على الأرض حتى الآن!
ها أنا أضع نفسي مرة أخرى فوق المنصة وأبدو كما لو أنني استسهلت توجيه المواعظ الأخلاقية للجميع وهذا أمر لا أحبه ولا أجيده، لأنني أعرف مقدار ضعفي وأؤمن بمقولة أوسكار وايلد: "إن أسهل وسيلة لمقاومة الإغراء هي الخضوع له، وليس تحديه" لذا لم أكن أستطيع أن أهجر امرأة مثل مارلين، وربما لهذا السبب لم أسع للزواج منها، كما لم أسع للزواج من السلطة­ أي سلطة­ لأننى لا أحب أن أتيح للآخرين استغلال ضعفي، وأؤمن أن قوة الإنسان ­ أي إنسان­ تكمن في قدرته على معرفة ذاته وبالأساس نواقصه ليتجنبها وفق القول المأثور "رحم الله امرئ عرف قدر نفسه"، وأعتقد أن نقطة الانطلاق الصحيحة للبناء المعرفي عند أي مثقف هي معرفته لذاته وتهذيبها في مهمة "الجهاد الأكبر"، قبل أن يتحول إلى مجرد خزانة للمعرفة يتجاور في باطنها الكأس والورق والحشرات القارضة.

E.mail: TAMAHI@ HOTMAIL.COM

سكــوت.. ح نكتب


سهر طوال الليل يرتب أوراقه، ويضع اللمسات النهائية لزوايا الكاميرا، وتفاصيل المشاهد التي سيقوم بإخراجها في أول تجربة احترافية في حياته، وسط زحام الاستوديو وقف الشاب العائد من أميركا بعد دراسته للإخراج السينمائي في بلاد العجائب وأراد أن يبدأ التصوير وسط ضجيج العمال والفنيين وقال، مساعده "سكوت ح نصور"، لكن الأستاذ وقع في نفس الورطة التي أصابت قاسم في مغارة على بابا، فقد نسي الكلمة التي يقولها المخرجون لبدء العمل (أكشن بالانجليزية أو بارتيه بالفرنسية) وفوجئ الجميع بالمخرج النحيف ذي اللكنة الفرنسية يصيح بالعربية "دور" ودارت الكاميرا وأصبحت هذه الكلمة "التلقائية" مفتاح العمل عند يوسف شاهين الذي لم يطالب بعدها بلقب "رائد التعريب السينمائي"، ولم "يطنطن" بالحديث عن مبادرته في صناعة هوية عربية للسينما المصرية!!
ربما تصلح هذه الواقعة كمدخل لدراسة العلاقة بين التخطيط المسبق وبين إبداع اللحظة، وربما تكشف عن ثغرات سيكولوجية تتعلق بعدم التوافق بين "الفاترينة" و"المخزن" حيث يصعب على المرء استدعاء معلومة أو لفظ أو إحساس من مخزونه الوجداني والثقافي أو ذاكرته لاستخدامه في التعبير عن موقف ما في اللحظة المناسبة، فيضطر لاستعارة أو استدعاء البديل الاقرب والأكثر جاهزية مما يولد مشكلة جديدة تتعلق بمدى صلاحية أو ملاءمة البديل للموقف.
الغريب أن شاهين نفسه لا يحب أسلوب البدائل ولا يؤمن بإبداع اللحظة ويحرص دوما على الإشادة بالتخطيط المسبق للعمل.. والاهتمام بجميع التفاصيل على الورق، ومع دوران الكاميرا تتحول طاقته الإبداعية إلى حيز التنفيذ وفقط.


في أحد لقاءاتنا الصحافية أثناء إعداده لفيلم "اسكندرية كمان وكمان" وصل شاهين إلى درجة ساخنة من التوتر والاستفزاز فأخرج لي من درج مكتبه مجموعة من الصور الفوتوغرافية لمواقع التصوير وعليها مخططات لحركة الكاميرا والممثلين ليثبت بعصبية أنه لا يترك أمرا داخل الكادر للصدفة أو للارتجال أثناء التصوير.. وفي حواراتنا الأولى كان يغضب بشدة عندما أقول له: يقول البعض إنك..
فيضغط على زر الكاسيت صائحا: لا تقل لي هذه العبارات الهلامية، من هم البعض؟ واجهني بأرائك أنت أو قل لي فلان يقول كذا.. أنا أحب التحديد والوضوح
وأثناء عرض "اسكندرية كمان وكمان" شاهدتم جميعا شاهين داخل الفيلم يطلب من بطله إعادة المشهد لأكثر من خمسين مرة لكي يحصل منه على ما يريد من شحنة التعبير وطريقة نطق الألفاظ.
إنه يعرف ما يسعي إليه ويراه واضحا في عينيه قبل أن تدور الكاميرا بحيث تبدو طريقته في الإبداع أقرب إلى فن النحت كما رآه الفنان هنري مور، الذي كان يقول إنه يري التمثال داخل الكتلة الصماء وكل ما يفعله أنه يزيح الزوائد التي تحيط به ليكشف عن العمل الفني المحبوس داخل الخامة. يوسف شاهين يبحث إذن عن صور يراها، وشخصيات يعرفها، ولغة يسمعها، ومفاهيم يؤمن بها، ولا يترك فرصة للعمل الفني ينمو ويتحرك بعيد عن إرادته الشخصية التي تهيمن على جميع العناصر التي غالبا ما تتماهي معه وفي مقدمتها الممثلون، ومن هنا ليس من اللائق أو المنطقي أن نتعامل نقديا مع شاهين باعتباره "مبتدئا" يخطئ في بديهيات العمل السينمائي فهو بلا شك مخرج كبير يقصد ما يفعله حتى لو كان تجاوزاً أو تكسيراً لقواعد فنية متعارف عليها، ولكن هذا لا يعني أنه أكبر من اللعبة ذاتها، فالتجاوز والتكسير في العملية الإبداعية لايتم اعتباطا فإما أن يتم تحت ما يسمي في الغرب بعملية "التدمير البناء" أي هدم قواعد قديمة لتأسيس قواعد جديدة أكثر جاذبية ونجاحاً، أو يتم وفق المنهج التراثي العربي من خلال مراعاة التاريخ والسياق بحيث يأتي الجديد امتداداً طبيعياً متطوراً للقديم.
وفي تقديري أن شاهين الذي أدهشنا بجنونه وجرأته وشغفه بالجديد والمختلف، لم يستطع أن يحافظ على حماسنا المتدفق تجاه أعماله، فقد بهرنا صغاراً بذلك الجنون الجميل، ولكن الجنون وحده لا يكفي لتقديم فن عظيم، ربما يكون قد نجح في هز حالة الجمود السينمائي العربي، وربما تكون أفلامه من أهم محفزات التجديد والتجويد لدي السينمائيين العرب، وربما يكون الأكثر إثارة للجدال والنقاش بسبب القضايا الفنية والفكرية التي تطرحها أفلامه، وكذلك بسبب سلوكياته وآرائه وأساليبه في الإنتاج، وعلاقاته مع زملائه أو مع الآخر عبر البحار، وهذا وحده كفيل بتخليده كعلامة سينمائية بارزة، وصاحب محاولات لم تتبلور لتأسيس مدرسة سينمائية عربية قدمت العديد من التلاميذ الموهوبين وإن غلبت سمة التشوش الفكري والفني على ابداعاتها، لذلك تكشف مشاهداتنا الآنية لأفلام شاهين أنه يملك من الجرأة أكثر مما يملك من الدقة، ويقدم من الأفكار أكثر مما يقدم من الصور السينمائية، رغم البريق والتغريب البصري، وإثبات الاختلاف، وباستثناء بعض أفلامه المتماسكة فنيا ودراميا ، فإنه يظل أقرب إلى "المفكر" الذي يحاول توصيل مجموعة من الرسائل إلى الآخر، وأقرب إلى الطفل المشاكس الذي يحاول إثبات تفوقه دوما وانه في فيلم ­واحد مثل "سكوت ح نصور" ­ قادر ان يداعب أفلام موجة الكوميديا الجديدة في مصر، في الوقت الذي يداعب فيه أفلام بازوليني في مزجها الأوبرا بالسينما، وأفلام آلان باركر في استخدامها للموسيقي وأفلام سبيلبرج في استخدامها للتروكاج وفنون الجرافيك، وهذه في رأيي نقطة الانطلاق في فهم إبداعات مخرج كبير أحلامه تفوق إمكانيات واقع السينما في بلاده، ورغباته الإبداعية تستعصي على جمهور يحاول شاهين الآن ان يرضيه بعد سنوات من طلب رضا المهرجانات، لكن المؤسف أن شاهين أحزنني فلا هو نجح في الحفاظ على مقعده بين المثقفين، ولا نجح في خطف جمهور هنيدي.
e.mail:tamahi@hotmail.com

بهـــــاء الدنيــا والديـن

بهاء الدين الابن يعلمني أكثر مما علمني بهاء الدين الأستاذ




كان جالساً أمامي بنظارته السميكة يحدثني عن الزمن الجديد ونزول الايديولوجيا عن عرشها، وكأن كيفين كوستنر كان معنا، فقد صور روح المشهد وقدمه في نهاية فيلمه "الرقص مع الذئاب" حيث يجلس الهندي العجوز على قمة جليدية شاهقة البياض متدثراً بالفراء والحكمة على يقين من المصير المأساوي الذي يحمله القادمون البيض لقبائل الهنود الحمر.

كيف يلتقي في هدوء شبح النهايات وضوء السكينة؟ كيف يتصالح المضرب مع الكرة؟

قال بهاء الدين: لا تسأل، فقد تغيرت الأسئلة، وتعطلت الإجابات، لم يحدثني عن "اختلاط الحابل بالنابل"، وزمن "السداح مداح" وعن أولئك الذين تبجحوا دون خجل من تاريخ أو أخلاق فمنعوا مقاله اليومي في الأهرام (يوميات)، ولم يقل لي إنه بكي أو غضب أو اشتكى، كل ما فعله أنه أرسل المقال نفسه في اليوم التالي فلم ينشر، فأرسله دون تغيير في اليوم الثالث فلم ينشر فأعاد إرساله.. وهكذا لأكثر من عشرة أيام.
طبعا لم يستطع أن ينشره لأسباب باتت جلية هذه الأيام، لكن صاحب "أيام لها تاريخ" انتصر للتاريخ فسجل موقفاً، وأوصل مضمون مقاله من دون حبر وطباعة، وكشف جانباً من العلاقات الغامضة بين رجال المال وغيلان الصحافة.


كان لقائي الأخير مع أحمد بهاء الدين قبل شهور من مرضه الطويل ذي الدلالات الرمزية التي تليق بأبطال الملاحم والروايات، لم يقل لي بهاء كل ما تخيلت أنني سوف أسمعه منه، ولم أقل له كل ما أحببت أن اسمعه له، لم أقل له أنني لم أكن أحبه لارتباطه فترة بالسادات، ولم تشفع له عندي افتتاحيات مجلة "العربي" الكويتية ولا مؤلفاته القديمة "فاروق ملكا"، و "أيام لها تاريخ" ولا سيرته الناصعة، ولا نبوغه الصحافي المبكر، لم أقل له إنه استطاع في سنواته الأخيرة أن يتسرب إلى قلبي ويكتب اسمه في العقل والوجدان، ولم أقل له ان لكتابه الجميل "محاوراتي مع السادات" دور كبير في هذا التحول العاطفي، والأهم أنني لم أقل له إنني اطلقت اسمه على ابني الوحيد حباً فيه وفي صلاح جاهين "أبو بهاء"، وإمساكا بإشراقه جديدة في زمن التيه والعماء.


خمس سنوات مرت على رحيل بهاء الدين، وإحدي عشرة سنة على ميلاد بهاء الدنيا والدين، (يقول الدارسون للألقاب الإسلامية أن لفظ "الدنيا" المضاف للاسم يشير إلى وجود صاحب اللقب على قيد الحياة).. غاب الاستاذ، وكبر الابن فلم يهتم بالكتب، ولم يؤطر عينيه بنظارة سميكة.. الطفل الصغير الذي ولد وسط الكتب وأوراق الصحف بحكم عمل والديه هجر في مكتبته حكايات ألف ليلة وليلة المبسطة للأطفال وكتب الألغاز والمغامرات، ويعاني من ضيق الوقت الذي لا يسعفه لمتابعة شخصياته الكرتونية المفضلة على الفضائيات ومواعيد تمرين التنس والسباحة، يجمع العملات القديمة، كما يجمع صور البوكيمون، يحب جدته ويخجل من زميلاته في المدرسة مغرم بألعاب الكمبيوتر، و "البلاي ستيشن"، والماركات العالمية، و "كوبونات" المسابقات والأطعمة الجاهزة، سريع التأثر بالإعلانات، وأنماط استهلاك أصدقائه في النادي والمدرسة، يغير هواياته واهتماماته بصورة مذهلة ومن دون ندم على الفرص التي يهدرها، فالحياة مازالت أمامه، والندم يليق بمن أصبحت حياتهم خلفهم.
ومع ذلك يدهشني باحترامه للتقاليد وتفاعله الجميل مع الحياة.. يغني الحلم العربي، ويشجع البرازيل، ويقاطع البضائع الأميركية، ويعلق في حجرته أعلام فلسطين ولوحات طفولية رسمها بألوانه لقبة الصخرة ومحمد الدرة.


بهاء الدين الابن يعلمني أكثر مما علمني بهاء الدين الاستاذ، لذلك لا أتسرع في توجيه الانتقادات والملاحظات إليه قبل فترة كافية من التأمل والدراسة أشعر بعدها انه يمنحني فرصة للتجدد وقبول بعض مما يحدث في العالم من حولي، لم تعد لدي المقاييس الجاهزة لإدانة الظواهر الجديدة لمجرد اختلافها عن أنماط الحياة في جيلي، سمعت معه محمد فؤاد وهشام عباس ومادونا التي يعشق أغنيات فيلمها "إيفيتا" واستمعت إلى آرائه في أفلام هنيدي وأحمد السقا وعلاء ولي الدين ويوسف شاهين، حدثته عن كوبولا وكوبريك وأوليفر ستون وترانس مالك، وتعلمت من خلاله كيف اتيح للصغار فرصا للتعبير هي في حقيقتها وسيلة لكي نفهم الأبعاد التي تستعصي علينا، ربما بحكم الشيخوخة أو التعالي.


رحل بهاء الدين عند قمة الهزيمة وسط الثلوج التي حنطت جيلاً بأكمله، وهو ينصح "الراقص مع الذئاب" أن يأخذ حبيبته ويرحل ليصنع حياته الجديدة، فالرجل الأبيض لم يأت إلى هذه الأرض ليجري وراءه بغرض الانتقام الفردي "إنهم قادمون ليصنعوا تاريخا جديداً.. وهذا زمانهم، فانطلق واصنع مصيرك بنفسك.
كانت صورة الحكيم الهندي العجوز واضحة في المشهد قابعا في انتظار مصير يعرفه، ويعرف انه ليس في صالحه ولا في صالح شعبه، فيما يخرج الوافد الجديد من المشهد لينطلق في المجهول على حصان وحيد يحمله مع حبيبته وقليل من الزاد والماء والأمل في مصير لا يتماهي مع مصير الجيل المهزوم.


كل سنة وانت طيب يا بهاء الدنيا والدين.. آملا ان ينجح جيلك ـ المغضوب عليه ـ فيما فشل فيه جيل جدك.
يابهاء.. إحدي عشرة قبلة ووردة على جبينك، والفاتحة للأموات العظام.


e.mail:tamahi@hotmail.com

Wednesday, November 02, 2005

سلطــــان الكـــــلام


العالم، الشعب، الدولة، النظام، الحق، العدل، الانسان، كان، لابد، لو,,, كلمات، مجرد كلمات يتداولها الضابط والحرامي، المدرس والتلميذ، الديبلوماسي والأحمق، الوزير والغفير، الحاكم والمحكوم، الشاعر والداعر.

ربما يكون للكلام معنى، وربما لا يكون، ربما يكون له مردود في الواقع، وربما لا يكون، فهناك حاجة دائمة للكلام مهما كان، ولذلك صدق الناس التعريف الشائع الذي يقول «ان الانسان حيوان ناطق» أو «حيوان متكلم، رغم تعدد العريفات التي سارت على المنوال نفسه مثل: «الانسان حيوان ضاحك» أو «حيوان صاحب تاريخ»، لكن يبقى «الكلام» هو الفعل السرمدي الأكثر ممارسة وملازمة واستمرارية واقترانا بالانسان، سواء استند الى رؤى فلسفية أو دينية أو اجتماعية أو منفعية تتعلق بالتخاطب والتواصل، أو التسلية وملء الفراغ.

بالطبع لم يعد الكلام مجرد قدرة الفرد على النطق ببعض الألفاظ ذات المعاني الدالة على اشياء، أو مشاعر، أو حالات «كوب,,, شجرة,,, حزين,,, جائع» أو حتى القدرة على توصيل رسائل وتخزين معلومات, لقد تضخم «الكلام» حتى صار هو الحياة ذاتها, ورأى البعض كما قلنا في البداية أن «كل شيء كلمة»، فكانت النتيجة أن أصبحت «الكلمة كل شيء».

وفي الوقت الذي تطورت فيه «علوم الكلام» ودراسات اللغة والألسنيات، لم يستطع أحد أن يحصر «الكلام» في قاموس، أو يرسم له حدوداً جغرافية أو زمنية, فالكلمات عصية على الحصار، كما هي عصية على التصنيف, بعضها يتنقل من عصر الى عصر، ومن حضارة الى أخرى، ومن لغة الى أخرى وبعضها يموت وبعضها يولد، لكن « الكلام» نفسه يظل موجوداً دائماً وأبداً ليس كمجرد أداة معنوية لا تشغل حيزاً في الفراغ، لكنه يتطرف أحياناً فيصبح بديلاً للواقع, ولا أعني بذلك ما يتردد دائماً من توصيفات هجائية لبعض الأحداث، والمواقف بأنها مجرد «كلام» لكنني أقصد أن «الكلام» في أحد حالاته يصبح واقعاً مادياً ملموساً، حيث لا يكفي أن يردد الرجل القصير بصوت عال «أنا مش قصير وقزعة.. أنا طويل وأهبل» لكي يتغير الواقع بالنسبة له حسب العلاج الذي قدمه الفنان عبد المنعم مدبولي في أحد أفلامه الكوميدية.
المشهد لا يبدو هزلياً في حقيقته، وان كان الشكل يشير الى ذلك وخصوصا وأن العلاج بالكلام، و«الكلمة الفعل» حسب تعبير يوسف ادريس، وموت المتنبي بسبب تماهيه مع كلمات قالها,,, كل هذه الحالات تشير الى قدرة «الكلام» على تغيير الواقع المادي، لكن الغريب حقا أن يتحول «الكلام» ذاته الى «واقع مادي ملموس» بعيداً عن الحزازير والفوازير وألاعيب التذاكي, وهذا ما أكدته لي أمي «رحمة الله عليها»، منذ كنت طفلاً صغيراً لا ينام الا بعد سماع «الحدوتة»، حيث شعرت أمي بالارهاق، ذات ليلة فقرأت لي حكاية قصيرة وطالبتني بالنوم، لكنني رفضت معترضا على «قلة الكلام» فقالت لي: «ان الكلام خلص»، غضبت بشدة واتهمتها بأنها تخدعني لأن الكلام لا ينتهي أبداً، فقالت لي: «نم الليلة، وغداً سوف أحكي لك حكاية طويلة»، وفي الليلة التالية حكت لي أمي «حكاية السلطان والكلام»، (اكتشفت فيما بعد أنها تقرأ من الكتب القديمة مثل ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة وغيرها، وتعيد صياغتها بطريقة الحواديت الشعبية)
قالت أمي:
«ان سلطاناً كان مغرماً بالمستحيل فأقام مسابقة لملء ثلاثة «أجولة» بالكلام، ومن يستطيع ذلك يتزوج الأميرة ويحصل على المكافأة الكبيرة، لكن من يخسر تقطع رأسه، وخسر الكثيرون رؤوسهم لكن بستاني القصر الشاب تقدم للمسابقة رافضا نصائح الجميع، ودخل بلاط السلطان، وفتح الحارسان فوهه الجوال، وبدأ البستاني يتكلم، والسياف يستعد كالعادة والسلطان «السادي» المهووس يستمتع بالثرثرة لكنه انتبه فجأة عندما اقترب البستاني من خزانة الأسرار حيث قال: «رأيت السلطان ذات ليلة...» واستدرك السلطان الأمر وأمر الحارسان باغلاق الجوال الأول لأنه امتلأ بالكلام، وتكرر الأمر في الجوالين الثاني والثالث، في كل مرة يعتبر السلطان أن الجوال امتلأ حتى يسكت البستاني عن الخوض في الأسرار التي يعرفها».

من هنا ظهرت مشكلة «المسكوت عنه» وهو «كلام» لكنه «كلام مختلف» يتجنبه الجميع لأنه يمثل واقعا مغايرا يتناقض مع الواقع الموجود، لذلك فان طوفان الكلام المتشابه الذي تغرقنا به الفضائيات ووسائل الاعلام وتصريحات الساسة وثرثرات المقاهي، والأمسيات المنزلية يظل كلاما للاستهلاك اليومي يخرج من فم المتحدث ليدخل أذن المستمع من دون أن يمر بعقل أي منهما حسب تعبير برناردشو، أو يدخل في اطار لعبة الاتجار بالفضائح بعد أن تغيرت أخلاق البستاني، وأصبح وزيرا لسلطان الكلام.
يبقى أن أقول أنني كنت أنوي الكتابة عن ثنائية المثقف والديبلوماسي التي انفجرت في أعقاب الاستقالة «العنيفة» التي تقدم بها السفير عبد الله الأشعل لوزير الخارجية المصري أحمد ماهر وما تلاها من هجوم كلامي عنيف اكتسب خطورته من أن الديبلوماسي وهو حسب التعريف الشائع «الرجل الذي يتكلم كثيراً ولا يقول شيئا»، أراد أن يقول، وقال، لكن أحداِ لم يأمر بإغلاق الأجولة فتناثرت الإساءات.
أما لماذا غيرت الموضوع؟
ببساطة لأنني أردت أن أكتب ولا أقول شيئا,,, وأهو كلام!.

tamahi@hotmail.com

«معتزون» لا «معتزلون»

وحيداً.. لكنني لست متشائماً إلى حد الموت

«قمر على مستنقع» ,, ليست مفارقة..!!
«علاء الديب يخلف إدوار الخراط ويقبل الإشراف على لجنة القصة في المجلس الأعلى للثقافة في مصر»، تلك هي المفارقة بعينها..!!
فالأديب الذي شبه نفسه يوماً بـ«ديناصور منقرض» وصار أقرب إلى «المثقف الناسك» المعتزل، «الزاهد»، «المغترب»، «غير المنخرط»، «غير المتكيف»، «غير المتوافق»، «غيرالـ,,,,»، مازال ينبض بالحنين إلى المشاركة، والنزوع إلى الفعل والانخراط، ولاتزال «البذرة السحرية»، مطمورة في داخله تنتظر الفرصة المواتية لتشق طريقها إلى السماء متجاوزة أوحال الواقع، حاملة ثمار الرؤية الذاتية المستحيلة لتشكيل العالم على هوى المثقف.

ما الذي دفع علاء الدين لقبول ما رفضه الخراط؟
شغلنى السؤال منذ أسابيع، وحاولت طرده من ذهنى، لأنه يفتح الطريق أمام المزيد من الأسئلة المقلقة، ويكشف الكثير من المناطق الموجعة لدى نوعية من المثقفين العرب يحلو للبعض، وضعها تحت مصطلح «المثقف المعتزل».
لا أدري مدى موضوعية هذا المصطلح، ومدى اقترابه من الحقيقة، لكنني كتمت دهشتي قبل ست أو سبع سنوات تقريباً، عندما أرسل لي الصديق وائل عبد الفتاح نسخة من صحيفة «أخبار الأدب» تتضمن مقالاً له بعنوان «المعتزلون»، بدا كما لو كان تحية لصاحب «زهر الليمون» علاء الديب ونموذجه «الاعتزالي» .

قرأت المقال بشكل هادئ، حتى اصطدمت باسمي في النصف الثاني من المقال، ولم تبهجنى الصياغة الاحتفائية، والتمجيدية، لحالات «المثقف المعتزل» حتى لو كان إعتزاله احتجاجاً على واقع رديء أو انسحاباً من معارك صغيرة- وحقيرة أحياناً، أحسست آنذاك أنني أرى تجاعيد روحي في مرآة صافية، وأشعر بمداهمة الشيخوخة لحدائق وجداني.

لم أكن أوافق على ترديد مقولة «اعتزالي» في الوقت الذي أدركت أنها حقيقة لا يمكن نكرانها لكنها حقيقة كاذبة، ومؤقتة، لا تنبع من داخلي، ولا تعكس ما أتمناه، وما أسعى إليه أنها مجرد صورة قشرية للظاهر.

لم ألتق علاء الدين لأسأله عن حقيقة شعوره، ولم أهتم بمعرفة سبب قبوله رئاسة اللجنة التي استقال منها «ادوار الخراط» لعدم توافقه مع بقية عناصرها»،- كما قال وهذا لا يعنى عدم اهتمامي بمعرفة الأسباب الحقيقية، لكنني أيقنت أن إجاباته قد تهتم بالقشرة، أكثر ما تتركز على النقطة السحرية الغامضة التي أريد الوصول إليها.

في طريقي إلى الإسماعيلية لحضور فعاليات مهرجانها الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة كان الناقد المثقف والباحث السينمائي الرصين سيد سعيد مخرج فيلم «القبطان» يجلس على مقربة مني صامتاً وحيداً، متأملاً كعادته.
تسللت من عقلي الباطن ثعابين الأسئلة المؤجلة عن مشكلة «المثقف المعتزل» فتركت مكاني وانتقلت إلى جوار سيد سعيد، وجلسنا طوال الطريق نتناقش لماذا لا يعمل؟ وأين مشروعاته القديمة ـ العظيمة؟
ولماذا يترك الندوات وصفحات النقد للمدعين و«مداحي» النجوم الأعلى أجراً؟

حدثني الرجل عن مدى بشاعة الواقع الثقافي والفنى وانتقده بقسوة من دون انفعال، ومن دون أن يفقد موضوعيته ورؤيته الواضحة، ومن دون مرارة تجاه أحد، ثم قال لي إنه لم يتوقف عن العمل، ولديه ثلاثة كتب على الأقل جاهزة للنشر، وعشرات المقالات، لكنه محاصر، لا يستطيع أن يصل إلى عموم الناس، لأنه يكتب في دوريات رصينة لا يقرأها إلا عدد قليل من المثقفين، كما أنه يكتب في موضوعات صعبة مثل: تأسيس جماليات جديدة ,, وإشكاليات التلقي، وشيفرات اللغة السينمائية، وغير ذلك من الموضوعات التي لا تحبذها المجلات الفنية ولا الثقافية، كما لا يحبذها قراء اعتادوا متابعة أخبار النجوم والاستسلام للنميمة الصحافية التي تقدم فضائح المجتمع المخملي كولائم تعويضية للجياع والفقراء: جياع الطعام وجياع الجسد، وفقراء الحلم وفقراء الثقافة وفقراء الروح.

غمس سيد سعيد صوته المترب في ماء الحماس، وقال لى وكأنه يشجع نفسه: ولا يهمك ,, فأنا لست متشائماً إلى حد الموت، أنا أعمل وسوف أظل أعمل، ولن أتنازل أبداً للسائد والهابط، لكنني أعرف أيضاً أنني لن أحقق أياً من أحلامي القديمة, فقد كبرت، ولم يعد بالإمكان تحقيق الأحلام بأثر رجعي.

تطرق الحديث إلى قدرة الزمن على ضخ الجديد دائماً، لكن أي تقدم من الممكن أن يحدث ونحن نقتل الكفاءات، ونضطهد المواهب، وندفع المبدعين الكبار إلى الخنادق هرباً من القصف المجنون لجيوش الابتذال والتسطيح، نظر الرجل من النافذة وقال لي كأنه يحدث الصحراء تخيل أن عشرات من كبار المبدعين في مصر دخلوا صوامع الاعتزال »!!، والتفت نحوي كأنه يعتذر عن طلقة حماس كاذب أطلقها نحوى خطأ ثم قال: لقد حاولت إقناع المخرج الكبير توفيق صالح بالعودة والمفاجأة أنني وجدته يتمناها من داخله، لكنني بعد أن عثرت على المنتج وحصلت على موافقته، رفض توفيق صالح، قلت له: عنده حق، فمن الممكن أن يعود للإخراج، لكن النتائج قد تكون ضده، فالرجل الذي كان «رائداَ» في الخمسينيات والستينيات يجد نفسه الآن في منافسة مع «اللمبي» و«ابن عز» و«الواد بلية» وعليه أن يدخل الاختبار في زمن ليس زمنه، وينتظر حكم جمهور لا يعرفه، ونقاد توقفت ثقافتهم عند «عادل يأكل الفول» كما تقول كتب المطالعة المدرسية.

في الإسماعيلية وجدت توفيق صالح مبتسماً وسط حلقات من السينمائيين الشبان فيما صعد المخرج التسجيلي الألماني الشهير مانفريد فوس إلى منصة التكريم متحدياً وهن الشيخوخة ليعلن تضامنه مع الشعب الفلسطيني مؤكداً أنه لن يتوقف عن دعمه طالما في العمر بقية وأن فيلمه المقبل سيكون عن فلسطين، وقال بالرغم من ظروف اليأس والإحباط والواقع المعاكس سأناضل وأناضل.
مسحت دمعة فرت من عيني خلسة وصفقت متمنياً أن أكون ألماني الإرادة.

tamahi@hotmail.com

كلام مجانين


كنت أنوى هذا الأسبوع عدم الكتابة، ليس بسبب إنشغالي، فأنا والحمد لله أشعر بالفراغ ولا أجد ما أفعله بعد النوم إلا التثاؤب، وليس بسبب سفرى إلى المصيف، فأنا ­ والحمد لله أيضاً ­ قنوع وراض بالاستحمام المستمر في عرقي، والسباحة وسط أمواج البشر في زحام القاهرة، وكذلك ليس بسبب عدم وجود قضايا مهمة فالقضايا ­ والحمد لله دوماً ­ كثيرة وجاهزة، وكما نقول في مصر "على قفا من يشيل"

عموماً لا تشغلوا بالكم بالتفكير في السبب الذي كاد يحرمكم من كلماتي، فأنا كاتب صريح ومتواضع ومؤمن بالشفافية، لذلك أقول لكم بكل صدق أنني منذ فكرت في كتابة هذه الزاوية وأنا أخطط لهذا اليوم من أيام الأربعاء الذي تتلهفون فيه على صحيفة "الرأي العام" وتفتحونها على الصفحة الثقافية بحثاً عن "تماهي" فلا تجدون إلا مربعاً صغيراً يتضمن الجملة الشهيرة "الأستاذ.... يعتذر عن عدم كتابة مقاله هذا الأسبوع"!!

لا شك أن بعضكم سيشعر بالقلق على مستقبل الأمة، فربما أكون مريضاً ولا أتمكن من توجيه ضرباتي الأسبوعية لأعداء التقدم والاستنارة فتتأخر مواكب النهضة التي ترشدها كلماتي إلى أقصر الطرق للوصول إلى الأهداف المنشودة، وربما أكون ممنوعاً من الكتابة فتندلع المظاهرات الغاضبة وبيانات الاحتجاج من الجماهير والمنظمات الدولية.. هذا بالقطع سيمنحني بعضاً من "البرستيج" الأدبي الذي استحقه.

ولا شك ايضاً أن بعضكم سيطوى الصحيفة في غيظ من دون أن يقرأها، ويسيطر عليه الإحباط ويعيش على أمل انتظار المقال في الأسبوع المقبل، ولاشك أن فئة أخرى ستشغل نفسها بالتفكير في موضوع المقال الذي لم ينشر، وكيف كانت صياغته وأى عنوان علاه؟

في الحقيقة فإن تقديري لهذه المشاعر الحميمة، وإدراكي للاهتمام الكبير الذي تحيطونني به، دفعاني للتضحية براحتي، ومقاومة حالة "العكننة" المزاجية التي أمر بها، وقلت لنفسى ماذنب القراء الأبرياء الطيبين لكي تصدمهم هذه الصدمة وتحرمهم من نافذة الأمل الوحيدة في الحياة الصعبة التي يعيشونها؟

ألا يكفى شارون وما يفعله بالجنس العربي؟
ألا تكفى الكوابيس والأزمات التي تحاصر أبناء العربية؟
ألا يكفي تراجع مساحات الحرية حتى في الفيديو كليب؟
على كل حال ربنا ستر وحصل خير، وها أنا معكم أواصل مسيرة النضال من أجل إعادة الكرامة العربية ورفع الراية خفاقة في مواجهة قوى الشر من الصهاينة المغتصبين وعملائهم الخونة وأسيادهم عبر البحار، ولا شك، وربما، وحيث إن، وسوف، بل وكذلك، أيها الأخوة المواطنون: "إنه.."
لا تتصوروا أن هناك أخطاء طباعية كل ما في الأمر أنني أقدم لكم أدلة ثقافتي العميقة، وبالطبع أنتم تؤمنون بدور الثقافة (خاصة النوع العميق منها)، كما تؤمنون بأهمية الوعي في صناعة الحضارة، وبأننا خير أمة أخرجت للناس فلا تبتئسوا ولا تهنوا ولا تحزنوا، إن حضارتنا العريقة والعميقة والحقيقة والسليقة تؤكد أننا المنتصرون كما تؤكد قوى الإنتاج وعلاقات المونتاج والطبقة العاطلة وديكتاتورية البروليتاريا على صعود الخط البياني لأمتنا المجيدة الواحدة الراقدة ذات الرسالة الخالدة، فالنصر آت "بعد نقطتين" كما يؤكد علماؤنا من "فاتحى المندل" و"قراء الكف والفنجان"، ربما يكون الطريق طويلاً وشاقاً، لكننا نؤكد لكم أننا سنضحي بآخر قطرة من "دمائكم" لتظل أوطاننا حرة نفعل فيها ما نشاء.. تتفاوض مع من نريد، ونشجب من نريد، ونضرب بعصانا ­في الداخل طبعا­ بالنار والحديد?
أعتقد أنكم تأكدتم بالتأكيد من صدق التأكيدات التي أكدتها أقوالنا المؤكدة عن حتمية النصر العربي على قوى البغي والعدوان، خاصة وأن الاستعدادات التي نقوم بها الآن لدعم قضية القدس وتحرير الأراضي العربية المحتلة تمثل ضربة قاصمة للعدو حيث نجهز آلاف التصريحات وعشرات الأغنيات والأوبريتات والقصائد، وربما نضطر لإنتاج بعض المسلسلات والأفلام الوثائقية لو اقتضى الأمر، أما إذا سمحت الشرعية الدولية ووافق مجلس الأمن على تطبيق المادة.. فسوف نفعلها وننتج فيلماً روائياً عربياً مشتركاً نفضح من خلاله "المجازر" التي نتعرض لها منذ النصف الأول من القرن الماضي
ملحوظة: أما وقد وصل الأمر إلى "المجازر" فقد تم كسر الإبهام، لذا أحب أن أوضح لكم أعزائي القراء وأنا بكامل قواي العقلية أننى اعتذرت بالفعل عن عدم استطاعتي كتابة المقال هذا الأسبوع لمروري بوعكة صحفية سياسية، عربية، قوموية، تعبوية، وتنازلت عن المساحة لرسالة وصلتني من أحد نزلاء مستشفي الأمراض العقلية، وأنا إذ أعلن عن ذلك أتبرأ من المقال وكاتبه، وأؤكد عدم مسؤليتي عن أي كلمة وردت فيه، وإن كنت قد ساعدت في نشر هذه التخاريف فإن هذا ليس بدافع احترام حرية الرأي فهذا أمر تافه لا يستحق، لكنني نشرتها لكي نتعرف على أصحاب هذه الأفكار المريضة المنحرفة ونتخذ ضدهم الإجراءات التأديبية الكفيلة بردعهم فالوطن بخير، والعرب في "أحسن" حال ياصلاح الدين.. ورايات العزة والحرية والكرامة، و"الوحدة كمان" ترفرف عالية على كل شبر من أراضينا المقدسة، وندعو الله أن يرحمنا برحمته ويلهمنا المزيد من الحكمة والعقل وعبقرية "ضبط النفس" حتى نستطيع أن نواجه مجانين الأمة من سعد حلاوة وسليمان خاطر إلى عز الدين المصري مروراً بقوافل الشهداء في العراق وفلسطين وجنوب لبنان وفوق أي تراب اختلط بالدم الطاهر.
e.mail:tamahi@hotmail.com

آمادو فلاح من بلادي




هل بكى فقراء "السرتون" لموت آمادو؟
هل شيعه بزهور القرنفل جياع "باهيا" ومناطق الجفاف في الشمال البرازيلي؟

لعله ينام الآن مستريحا تحت شجرة المانجو العتيقة في حديقة منزله بعد أن أطلق آخر نكاته التهكمية، وأودع أحلامه قلب الأمازون، وأوصى بإحراق جسده ليظل كما قيل عنه دائما الروح البرازيلية الخالصة، وألقى بنظرته الأخيرة على رحلته الطويلة في حياة أراد أن يغيرها فغيرته!
خورخي آمادو ليس مجرد أيقونة للعرض في فاترينات الأسماء الأجنبية لاستثارة هواة التغريب والتفرد، وليس مجرد جوهرة متميزة في عقد الابداع الروائي في أميركا اللاتينية والعالم، وليس مجرد نصير للفقراء ومناضل اشتراكي أنفق سنوات من عمره في المنافي والسجون دفاعا عن أحلامه وتوجهاته السياسية والانسانية، كما أنه ليس الوحيد الذي حمل "البطيختين" في حياة واحدة.. بطيخة الأدب وبطيخة السياسة حسب تعبير اميل حبيبي، ولم يكن آمادو الذي كتب روايته الأولى "أرض الكرنفال" قبل أن يبلغ العشرين نموذجا للرجل "الكرنفال" رغم التنوع والثراء المذهل الذي لون سنواته التسعين فقد كان كاتبا وإنسانا ذا قوام وسياق رغم التغيرات والعثرات التي صاحبت ارتقائه من خندق الأيديولوجيا المحكم إلى الفضاء الإنساني المفتوح، لذلك لم يخجل من الاعتراف في أخريات حياته بأنه يكرر نفسه.. "أستطيع القول مع إيتالوكالفينو انني كتبت رواية واحدة، وأعتقد أنني أكرر نفسي وهذه خاصية من خاصيات عملي"
Faces of Bahia-Salvador de Bahia
Brazil, 2000acrylic
قبل ستين عاما كان آمادو يواجه ديكتاتورية جوتوليو فارجاس الذي أمر بإحراق رواياته الست الأولى في ميدان عام، وكانت الشيوعية زاده ومراده وأمله في إصلاح حياة فقراء "باهيا" و"بارا" وسائر ولايات بلاده لم تكن الأحلام شحيحة ولم يكن تحقيقها صعبا في خيال مناضلي اليسار آنذاك.. يكفي أن تكمش يدك وتواجه العالم بقبضة كانت شعارا مشتركا في ملصقات الثوار في كافة أنحاء العالم، كما كانت شهوة التغيير هي الغريزة الأساسية والحلم هو المنطق الوحيد والممكن الوحيد?
لكن السنوات مضت ودخلت الأحلام حظائر الأوهام.. يهوذا باع جيفارا بدولارين وصورة ملونة لحسناء هوليودية، وخفتت أضواء لومومبا ونكروما وناصر ونهرو وماو وكاسترو (الذي مات أيضا، وان ظل في الصورة يمشي ويلقي التصريحات ويدخن السيجار)

الزمن غادر الزمن، وقفزت اللحظة من شرفة المستقبل إلى خزانة الماضي.. تساقطت الشعارات في خريف الاشتراكية الذي بدأ مع موسم عرض جرائم ستالين عقب المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي حتى قطع جورباتشوف الشجرة كلها بفأس البريسترويكا فأوقع أنصار اليسار في مأزق كبير اختلف تأثيره بين الجالسين فوق الشجرة والعاملين تحتها ورأينا بأعيننا ماذا فعل المأزق ـ في مصر مثلا حتى قبل سنوات طويلة من ظهور جورباتشوف.. رأينا ماحدث ليوسف ادريس وصلاح عبد الصبور وحجازي ولطفي الخولي والعالم وعادل حسين والأبنودي ونجيب سرور ومحمود دياب وغيرهم من أحياء لا أحب أن أذكر أسماءهم صراحة لأسباب ليس وقتها الآن.. المهم أنه مابين الجمود والتحول، والاعتكاف والتجول، والجنون والتسول، تبدلت المصائر، وزاغت البصائر وساد الحديث عن الهزائم والخسائر، وانهارت المشاريع والضمائر.
في تلك الفترة هجر آمادو الحزب الشيوعي والعمل السياسي المباشر مؤكدا أنه سيخوض معاركه السياسية من خلال الكتابة التي وصفها آنذاك بأنها أهم ما في الحياة مشيرا الى التزامه كفلاح بالاشتراكية الديموقراطية
في هذا السياق أسقط وكلاء آمادو من النقاد و المترجمين "أكليشيهات" الهزيمة والاحباط على صاحب "صرخة الماء" الذي فشلت أنا مرارا في التماهي مع بطله الجرئ الذي مات مرتين في كانكان العوام، وفي الخروج من "حياتي التي وجدتها" إلى "حياتي التي أصنعها بنفسي"
قيل أن أمادو خرج بخفي حنين من قصته المزدوجة مع السياسة والأدب بل أنه لم يتحصل على الخفين بالمرة ـ إذ لا يوجد "حنين" في تراث البرازيل ـ فلا نجح المناضل في القضاء على الجوع وتقديم البديل الشهي عن وجبة "الفاصوليا السوداء" التي فعلت بالبرازيليين مافعله "الفول" بنا نحن المصريين، ولا نجح الأديب في الحصول على جائزة نوبل التي نالها بلدياته كويلهو (كوييو كما ينطقونها) وكذلك البرتغالي الأقل موهبة وانتاجا منه "ساراماجو" لينضم إلى قائمة نادي المبدعين المنبوذين من "فردوس نوبل" أمثال تولستوي ، جرهام جرين، ريلكه، بروست، كافكا، بورخيس ، بار­ جن، ابسن، كازانتزاكيس... وغيرهم
لكن هل كان آمادو يشعر ـ حقا ـ بالهزيمة وهو ابن الشعب الساخر المحب للحياة الذي يؤكد في أساطيره أن الله برازيلي وأن العالم خلق من ضحكة؟
لايكفي أن تكون برازيليا لكي تدرك الإجابة على هذا السؤال.. يجب أن ترفع المرآة أمام قلبك وتنظر، فإن رأيت روحك فأنت فوق الهزيمة، وإن رأيت مسخا يشبه القناع الذي ترتديه، فأنت جثة مهزومة لا تستطيع أن تفك شفرات آمادو الذي تماهى في شبابه مع محرر العبيد في بلاده الشاعر الخلاسي كاسترو ألفيس ، و"فارس الأمل" الثائر لويس برستس وظل حتى اللحظة الأخيرة رافضا الاعتراف بالهزيمة، مؤكدا جدارته في تجسيد "الروح البرازيلية" ليس عبر تماهيه مع ألفيس وبرستس فقط بل مع الأرض والشجر، وغنائه لعرق الفلاحين، وأشجار البن والكاكاو، وزهور القرنفل والقرفة، وانحيازه لمانويل وماريا كلارا وجابرييلا وكافة بسطاء الواقع السحري في مسقط رأسه ومنبع أدبه "باهيا".

آمادو لم يكن كاتبا وفقط لأن مايمكن أن يقال عن موت الكاتب أنه كان يؤلف كتبا ومات حسب قول عاشق المسيسيبي الأديب الأميركي وليم فوكنر الذي كان يردد دوما "لست كاتبا بل أنا فلاح" لذلك لم يستطع الموت أن يهزمه لأن الموت لايأكل الأرض ولايقدر على الفلاحين.. الفلاح لا تقتله إلا الحياة وهذا ما احترس منه آمادو طيلة الوقت فعاش الصراع بعيون مفتوحة مفضلا "موتا أبيضا" على "حياة مموهة" وظل حتى النهاية يرفض أبواق الهزيمة التي تحاصره فهو الذي قال في آخر حوار له في باريس قبل الرحيل: لا أعتبر نفسي مهزوما ربما حوربت وسجنت وهاجمني ورفضني أولئك الذين لايستطيعون قبول شخص مستقل ومختلف عنهم، لكن هناك دائما من يقدرني في البرازيل وخارجها، ولي مكان على الطاولة حيثما ذهبت، وإن كان ثمة نقد لايقدر أعمالي فهذا أمر لايزعجني، وان كانت ثمة "انتلجنسيا" تلعن أدبي فهذا دليل على أنني أصبت "قلب الشعب" فأنا كاتب محارب ومختلف عليه وهذا أفضل لأن الاجماع أمر سلبي وخطير.

هكذا عاش ومات خورخي آمادو مثل الفلاح الحقيقي في بلدي يؤمن بالأرض وبأننا منها كنا، وبها نكون، وإليها نصير.


e.mail:tamahi@hotmail.com

المثقف رقيبا

ليس كل الانتحار كفرا أو هروبا، إنه أعلى درجات الاستغاثة البشرية من جحيم الأرض

قد تسألون ما هي العلاقة بين درويش وحاوي ورزق الله وسعاد حسني وبيني؟
انهيت مقالي السابق بهذه العبارة مع وعد بمحاولة الكتابة عن طبيعة هذه العلاقة التي تتمحور حول الموت والحياة بكل ما تحمله هذه الثنائية الأزلية من غموض وأبعاد فلسفية تترواح بين الزهد والمنفعة، واللذة والانتحار؟
فجأة هاجمني الإحساس الشائع باللاجدوى:
ما أهمية الكتابة..(أي كتابة)؟
وهل يمكن أن نكتب عن الموت والجنون والتمرد والحرية من دون أن نخضع للقوالب الجاهزة، وسلطات الرقابة بكل أنواعها الصريحة والضمنية؟ وهل تصلح الصحف اليومية كميدان لتفجير خزانات "المسكوت عنه" أم أن الواقع لا يحتمل سوى الكلمات المتداولة والقضايا المطروحة منذ قرون، والعبارات المتفق عليها؟
لا أعرف؟
لكنني ضبطت نفسي متلبسا بالغضب والرغبة في تجنب الكتابة من جديد بسبب حذف جملة من مقالي السابق رأيت ـ كما يري دوما أصحاب النصوص المحذوفة ـ أن غيابها أثر على المعنى؟
قلت: "مفيش فايدة" وتماهيت مع مبدعي كتابات كسر "التابوه" ولعنت الكتابة والكتاب والمجتمعات العربية والزمن بألفاظ لا يمكن نشرها؟
وهذا يعني أننا نتعاطى في حياتنا اليومية كلمات وعبارات وقصص لايمكن نشرها.. (حرية الفعل والإبداع إذن ليست مقرونة بحرية النشر)
قلت لنفسي وكأنني أؤهل الضحية للتكيف مع الجلاد: وما المشكلة؟
ما أهمية الجملة المحذوفة؟
وما أهمية المقال كله في حياة لا تغيرها الكلمات؟..
أنا لا أكتب نصوصا مقدسة، ولا يهبط على وحي من السماء، ولا أملك سلطة من أي نوع، وهذا يعني أنه بالإمكان حذف ما أكتب جزئيا أو كلياً حسبما يرى "الحاكمون" و"المالكون" و"الخاضعون" لاعتبارات وظروف وملابسات سياسية واجتماعية وتحريرية يشعرون بوطأتها أكثر مني، فليس من العدل أن أكتب "مجرد كلمات" قد يدفع غيري ثمن نشرها، خاصة وأنني لست من أنصار الحرية المطلقة وعملي الطويل في "التحرير المركزي" كان تأكيدا يوميا على "مشروعية الحذف" فأنا "أشطب" أكثر مما "أكتب" مع ذلك لم استطع أن أمنع نفسي من الأسى (متفهم لكنني حزين) وهو أمر لم أكن أطيقه قبل سنوات، لكن سبحان مغير الأحوال، استأنستنا الهزائم المتوالية، وعلمتنا النكسات العامة والخاصة أننا لن نخرق الأرض ولن نبلغ الجبال طولا، وأن تناقضاتنا وصراعاتنا مع الآخرين ومفاهيهم تمثل جانبا مهما من جمال الكتابة وتفاعلها مع الحياة الذي قد يتجاوز حذف المكتوب إلى حذف الكاتب نفسه، وربما يكون زميلي المبدع حسن عبد الله قد رأى في حذف سطر ما يمنع خطراً أكبر أو يكون قد خضع لاعتبارات المساحة أو ذوقه الفني أو تماهى مع الكاتب الجرئ محمد العوضي أو مع وزير الثقافة المصري فاروق حسني في حقبة ما بعد الوليمة.

عموماً لا تبتئس يا حسن.. ولايهمك، "كلنا في الحذف سواء".. سنكتب ما نريد، وليحذف الحاذفون ونحن منهم أنا وأنت، وقبلنا أشهر المبدعين الرقباء في الوطن العربي نجيب محفوظ، لكن إذا كنا نمارس الرقابة على الآخرين كفعل وظيفي خارج الذات فليس أمامنا إلا التعلق بالحرية كحلم ونسمة مبتغاة، ونأمل ونعمل من أجل ألا تمسخنا الرقابة وتزرع داخلنا الرقيب الرهيب القادر على تعطيل ملكات الإبداع والتفكير الحر؟

قبل أن أعود لمحاولة الإجابة عن السؤال المطروح في بداية المقال أحكي لكم ـ بتصرف يحترم المحظورات الرقابية ـ هذه النكتة التي فرضت نفسها في بؤرة شعوري ولم استطع التخلص من إلحاحها إلا بالكتابة.. وهي تقول أن أميركيا دعا مصريا إلى حفل عشاء في منزله، وأثناء الطعام سأله المصري عن حياة ابراهام لنكولن فأخذ الرجل يستفيض في ذكر تاريخ رئيسه الأسبق، حتى قضى المصري علي الطعام بأكمله، فاغتاظ الأميركي، وأراد أن يرد له الكيد أثناء الدعوة التي وجهها إليه المصري للغذاء في اليوم التالي، وأثناء الطعام سأله الأميركي عن قصة حياة جمال عبد الناصر، فرد المصري متعجلاً: واحد عمل ثورة ومات.. دعنا نأكل.

ربما تشير النكتة "المحورة" إلى المكر أو المنافسة، لكنها أيضا تشير إلى ما يسميه المفكرون ورجال السياسة والإدارة بترتيب الأولويات، ويسميه البلاغيون "لكل مقام مقال" ويسميه السيكولوجيون بؤرة الشعور وهامش الشعور، ورغم تغير مزاج الكتابة وترتيب الأولويات إلا أنني لن أجيب علي السؤال بأن "دول شوية ناس مكتئبة انتحرت والباقين بيفكروا".. لأنني مازلت ـ منذ الأسبوع الماضي ـ مشغولا بالأسرار الغامضة التي تدفع المثقف للتخلص من حياته بعد أن فاجأني صديق بقوله:


متي نمتلك جرأة الست سعاد و"نفعلها"؟

قلت له: أتظنني مرشحا للانتحار؟

قال: ألم تصدعنا بسيرة المنتحرين وأبيات درويش التي تقول:
"إن لم أجد حلما لأحلمه
سأطلق طلقتي وأموت
مثل ذبابة زرقاء في هذا الظلام"

قلت: إنني أؤكد على تمسكي بأحلامي، لا رغبتي في الانتحار وعل الرغم من انشغالي بمعرفة الدوافع التي أدت بـ"أروى صالح" و"سعاد حسني" للقفز من الشرفة ودفعت "رالف رزق الله" للطيران من فوق صخرة الروشة، وإلحاح "داني بسترس" في التخلص من عبء حياتها على حياتها، واحتجاج خليل حاوي على موت الوطن بإطلاق رصاصة على رأسه هو، و..
إلا إنني لم أفكر يوما في إغلاق دفتر الحياة مهما بلغت قسوتها، وتعجبني مقولة سميح القاسم النثرية "نحبها.. ابنة الكلب الحياة"

وسواء أكان الانتحار كفراً أو خلاصا بالمعنى الصوفي أو الإلحادي أو نقطة الذروة في أساليب الاحتجاج ونداءات الاستغاثة الإنسانية إلا أنني لم أفكر أبداً في الإقدام على الانتحار، ربما لأنني مستغرق تماماً في البحث عن طريقة تكفل لي حياة أخرى لأنني لم أعش حياتي الأولى كما أريد، وإذا كان الخلود البشري مستحيلا لأن البقاء لله وحده، فلا بأس من إقناع الذات بميلاد جديد وهو أمر ميسور كما تعلمنا الأديان، وكما قال الوجوديون من بعد.

يسعدني تلقى رسائلكم عبر البريد الالكتروني

e.mail:tamahi@hotmail.com

محمود درويش و سعاد حسني و...


أنا مدين بالكثير للشاعر العربي الكبير محمود درويش فلولاه لصرت شاعراً، لكنه أنقذني من هذا المصير البائس بعدما اكتشفت أنه يكتب بدلاً عني، ويصوغ ما يجول في نفسي معنى ولفظاً، هجرت الشعر على أمل العودة إليه لاحقاً بعدما استكمل أدواتي واستجمع ما يمكنني من منافسة درويش وغيره، لكن المسافة دفعتني لقسمة عادلة مع محمود درويش: أنا أعيش الشعر وهو يكتبه، تماهيت مع "ابن حورية" وصرت أردد من أشعاره ما كنت أتمنى أن أكتبه رغم أنه كشخص لم يكن النموذج الذي يستهويني، كنت أحب سميح القاسم أكثر منه كإنسان، عندما التقيت القاسم في زيارته الأولى للقاهرة لم يستمر الوهج القديم لصورته في ذهني، صحيح أنني أحببته أكثر، لكن التعاطف العقلاني نال من ذلك الزخم الاسطوري الغامض الذي شعرنا به في شبابنا تجاه عبد الناصر وجيفارا والجزائر وبورسعيد.
على العكس من ذلك لم يؤثر غياب أو حضور درويش الإنساني والسياسي على صورته الشعرية لدي، حتى أن المختارات القصيرة التي أرددها من أشعاره في مواقف يومية عابرة صارت تمثلني أكثر مما تمثل درويش، وكانت كاشفة لآرائي السياسية وتأملاتي الفلسفية ونظرتي للحب والموت والحياة.

وذات يوم قال لي حمدين صباحي وهو شاعر أكلته السياسة أنني أهدر طاقتي الشعرية في الارتجالات العفوية التي تتسرب مني أثناء "تمشيات" المساء.
وأذكر أنني قلت له آنذاك: انها مجرد تمرينات انتظاراً للحظة المناسبة التي أقرر فيها الكتابة وأضفت بكل ثقة، أنه في ذلك الوقت سيكون المارد قد خرج من القمقم، ولن يكون هناك رقم واحد في الشعر سواي، فأنا لا أحب أن أكون إلا في المقدمة وكعادتي استعرت حكمة لا أعرف صاحبها للتأكيد على عقدة التفوق التي تحكمني.
"إنني أفضل أن أكون سيدا في الجحيم على أن أكون عبدا في الجنة"
علق حمدين بطريقته التوفيقية المميزة قائلا: أما أنا فأفضل أن أكون سيدا في الجنة..
ضحكنا، ومرت السنون ولكنني لم أنس أبداً ذلك الموقف وكثيراً ما أتأمله من زوايا مختلفة، وأعيد تفسيره في ضوء المتغيرات التي تعصف فينا وحولنا, وبعيداً عن المسارات الشخصية التي لم نعد نعرف هل تتجه بنا إلى الجنة أم إلى الجحيم؟ اكتشفت أن "السيادة" ليست اختياراً مطلقاً ولكنها بالأساس حالة دينامية ونسبية مستمرة نتأرجح فيها بين الإحساس بالعظمة حتى "البارانويا" والإحساس بالتفاهة حتى "الدونية"!!

هذه الحالة القلقة خطرة، وتصرف الإنسان عن الكثير من فرص النجاح، لكنها قد تمنحه نظرة أعمق في التعامل مع الحياة تقوده إلى عوالم الشعر أو الفلسفة أو الجريمة.
ربما يسأل البعض وهل يتساوى الشاعر والفيلسوف مع المجرم؟
الحقيقة أنني لا أعرف إجابة عن هذا السؤال، أو أي أسئلة أخرى، فقط أستطيع الكلام حول الموضوع ويستطيع غيري دحض كل ما أقول بكلام آخر.. نظريات تعارض نظريات، وفلسفات ضد فلسفات، ولا إجابة قاطعة، لكن رحلة الكلام ذاتها ومحاولة البحث عن إجابة تظل حالة ممتعة، يمارسها البعض بحماس، والبعض بجدية قاتمة، والبعض بترتيب منطقي، والبعض بهذيان مشوش والبعض باجتزاءات مبتسرة,,,إلخ لكن الرحلة نفسها تظل هي المعادل الموضوعي للحياة ذاتها.. إنها "حافلة" تضم كائنات متنافرة تتصارع جميعها من أجل أهداف وأحلام مختلفة، ووسط الصراع ينسى الكثيرون أن الحافلة نفسها تمضي إلى هدف واحد هو الموت، ولا أقول الفناء!

عندما ينتبه البعض إلى هذه الحقيقة البدهية المفزعة لا ينتهي الصراع، بل يأخذ أشكالاً مختلفة، أخطرها ما يكون مع النفس حيث يكتسب "خط النهاية" حضوراً لافتاً يقفز بالإنسان من الحاضر الذي يعيشه إلى تصورات اللحظات الأخيرة، أو يسحبه إلى دهاليز الماضي، وتنمو أفكار العبث والتمرد، أو الإيمان بالقدر والاستسلام لشئ ما –أي شئ-، ورغم أن الجميع يدركون في لحظة ما من رحلتهم أن "الحياة هي في مكان آخر" حسب عنوان قصة ميلان كونديرا، إلا أن القادرين على اتخاذ قرار بالخروج من الحافلة والبحث عن الحياة في مكان آخر، يظلون الأكثر إثارة للجدال فهناك من يتهمونهم بالمروق، وهناك من يعتبرونهم الأجرأ والأرقى والأصدق والأعقل وقبل اسابيع قليلة خرجت سعاد حسني من الحافلة، وأثار خروجها لغطاً كبيراً، وبالنسبة لي لا يهمني أن أعرف كيف ماتت السندريلا؟ فهذا شأن جنائي يليق برجال الشرطة، يهمني أن أعرف لماذا ماتت وهل يتساوى موتها مع انتحاري الشعري، وانتحار خليل حاوي ورالف رزق الله، وأروى صالح وعشرات المبدعين العرب؟

قد تسألون ما هي العلاقة بين درويش وحاوي ورزق الله وسعاد حسني وبيني؟

هذا ما أحاول أن أكتبه في المقال المقبل
e.mail:tamahi@hotmail.com

المثقف والحثالة



تخيلوا ظامئاً يشتهى جرعة ماء، وجد نفسه فجأة يصارع طوفاناً مدمراً يغرق كل شيء.. البيوت، الأشجار، البشر.. هل يستطيع ذلك الظامئ أن يشرب فرحاً بالعثور على الماء؟ لا شك أن الوفرة هنا لم تحافظ على الصفات الإيجابية للماء فتحول من "قوة حياة" إلى "قوة تدمير، وتشويه، وموت.. أي قوة قتل ثلاثية!!
هذه الصورة المبسطة لا تقف عند الحدود المرسومة لثنائية "الكيف والكم"، التي يحلو لمعظم المثقفين مناقشتها كاختيار بين طرفين متناقضين، لكنها توضح أن مبدأ "التنامي" و"التوسع" و"التطوير"، يجب ألا يكون مبرراً أبداً لفقدان الصفات الأصلية للشيء، من هنا ثارت المناقشات حول جدوى استخدام الهندسة الوراثية في زيادة حجم الفواكه والنباتات والإنتاج الحيواني، خاصة بعدما تغير طعم المنتج الجديد وأصبح "البطيخ" بطعم "الخيار".
إذا حاولنا النظر إلى حالة الثفافة والمثقفين وفق "نظرية البطيخ/الخيار" فسوف تقفز أمامنا بسهولة معارك قديمة عن تراجع حال الثقافة في مصر بالرغم من الزخم الكبير في الإصدارات من كتب ودوريات، وبالرغم من تنامي مظاهر المواسم والفعاليات الثقافية في مهرجانات وندوات ومسابقات وصحف أدبية وثقافية وفكرية متخصصة.

لكن لماذا توجد أدوات للثقافة.. ويوجد نشطاء في الحقل الثقافي.. من دون أن توجد حالة ثقافية في الشارع؟


قرأت إجابات كثيرة ودراسات مطولة تناولت كل شيء في هذا الموضوع، لكن أحداً لم يستطع أن يساهم في نقل "الحالة" من "الأداء المظهري.. الوظيفي.. الكمي.. الارتزاقي.. إلى المفهوم الجوهري للثقافة كسلوك يشمل العادات والأخلاق والقدرة علي حل المشكلات وتجاوز الأزمات حسب التعريف الإنثربولوجي الشامل لمصطلح الثقافة الذي يعنى ببساطة "التهذيب".
من هناك توصلت إلى أن "الأدب" شرط أساسي للأدب، و"الأخلاق" شرط أساسي للمثقف، وهذا لا يعني السقوط في فخ السذج الذين يريدون تحويل الأدب والثقافة لمجموعة من النصائح والتعاليم الأخلاقية، فهذا يدخل تحت إطار أسلوب المعالجة وقواعد اللون الذي نكتب من خلاله والذي قد يقتضي الخروج على الأخلاق شكلاً لتأكيد جوهرها في مجمل العمل.. ومن هنا يجب أن نحترس من التعامل المبسط مع مثل هذه القضايا المركبة والمعقدة حتى لا يتحول الدور الإنساني للثقافة والإبداع إلى ذريعة لتسطيح "الكتابة" وتدمير قواعدها الجمالية وشروطها الموزعة بين "الموهبة والالتزام" أو "الاستعداد والمواءمة" أو "الحرية والضرورة"، كما يجب أن نحترس حتى لا تتحول الرغبة في التجاوز والتطوير تحت مسميات "الحداثة" و"ما بعدها" إلى مجرد نزوات ونزعات تدميرية تتعلق بجاذبية الجديد تحت تأثير ظروف اجتماعية وسياسية وأخلاقية تساعد على انتشار ممارسات "القطيعة" و"الانتهاك" و"التفكيك".. و"تدمير اللغة أو البنى" و"تحطيم الزمن" و"كسر السرد".. وما إلى ذلك من مصطلحات تتوقف عند الخطوة الأولى للثورة­ أي ثورة ­ حيث يجب أن يكون الموت دائماً من أجل الحياة ويجب أن تتيح الخلية التي تذوب وتتلاشى فرصة أفضل للخلايا الجديدة، ومن هنا فإن فكرة "الإحلال والتجديد" تقتضي أن ندرس مدى قدرة "القطيعة المعرفية" على تحقيق التواصل، ومدى قدرة الانتهاك على رتق المفاهيم الرثة، أو نسج أخرى أكثر إحكاماً، ومدى قدرة البناء والتركيب السليم بعد التفكيك.. وهكذا
ربما لا تكون الدعوة جديدة، لأن ثمة من قالوا إنه لا جديد تحت الشمس، ولأن الناقد الفرنسي المغبون في ثقافتنا "فرانسوا ريكار" حاول قراءة إبداعات ميلان كونديرا من خلال قدرة هذا الروائي المثير للجدل على "التفكيك الفني" مستخلصاً نتيجة ترى أن تفكيك كونديرا أقرب إلى ما يقوم به الجراح أو المهندس الذي يقوم بالتشريح أو التفكيك، وفق ثقافة ورؤية علمية مسبقة وليس تحت تأثير حالة إنفعالية تجعل من التفكيك تخريباً وتدميراً لا يؤدى إلى نتيجة أفضل كما في حال المهندس والطبيب.

لذا تبدو النظرة إلى ثقافة ووعي العاملين في الحقل الثقافي ضرورية كشرط يحدد مدى قدرتهم على الاستجابة لتحديات مركبة وصعبة قد يقوم بها من حيث الشكل و"تسديد الخانة" كل من هب ودب، لكن المهمة الحقيقية لن تتم بنجاح إلا إذا نجحنا في خلق مناخ اجتماعي وسياسي واقتصادي يمنع "الحثالة" من احتلال أماكن النخبة، ويحول المثقفين إلى موظفين، وفقد رؤية الحكام، مع الإشارة إلى أن تعبير "الحثالة" لا يخصني ولا يشير إلى أى إدانات أخلاقية أو طبقية لكنه أحد المصطلحات الشائعة في دراسة أحوال سياسية وثقافية، حيث تعني "حثالتة البروليتارويا" مفهوماً اصطلاحياً محدداً في الفكر الماركسي، كما تعني "حثالة الانتلجنسياً" مفهوماً محدداً ينطبق على محترفي النقل الثقافي وعموم الصحافيين الذين لا ينتجون من الثقافة شيئاً، وإن كانوا يساعدون في ترويجها­ أحياناً من دون أن يفهموا منها الكثير­ ولديّ بحكم عملي مئات الأمثلة والنماذج التي لم أعد أفكر في اليوم الذي يمكن تنقية الصحافة منها إلا إذا بدأت خطوات إعادة ترتيب المجتمع بالكامل.. وطالما لم يقترب ذلك اليوم، فيجب ألا نخجل من تحكم "الحثالة"، في مقاليد الأمور، فالمجتمعات تنال ما تستحقه من كل شيء، وفق القاعدة التي برر بها نجيب الريحاني الإختلاس في إحدى مسرحياته في الثلاثينات قائلا: "شيء لزوم الشيء"


فإلى متي يظل كل هذا العفن ملازم للمجتمع؟

أعتقد أن الإجابة ليست في يدنا، لكنها في يد المجتمع كله.


E.mail: tamahi@hotmail.com

Friday, October 28, 2005

من يجرؤ على العواء



لا يهمني من كتاب بول فندلي الشهير سوى عنوانه: "من يجرؤ على الكلام" فالسؤال بدلالاته المختلفة انفصل عن مضمون الكتاب وصار إحدى العبارات المأثورة المشحونة بالأبعاد الفلسفية والتي يمكن استخدامها في كثير من المواقف اليومية في زمان الهيمنة.

أميركا بدأت الحرب ضد "الإرهاب" فمن يجرؤ على الكلام؟ من يقول لنا ماذا تعني "الأهلة" التي تحاصر تلك المفردة الغائمة التي تستخدمها الولايات المتحدة دون أن تقول لنا بصراحة: "ماهو الإرهاب"?.. وهل ثمة علاقة بينه وبين اللحية والجلباب الأبيض؟
لن أقول أن أميركا في حقيقة الأمر بدأت الحرب ضد الإسلام، ولن أردد نص التصريحات البغيضة التي تحدثت عن "حرب صليبية" وإن كان قد تم التراجع عنها أو تصحيحها، ولن أراجع عناوين مئات الكتب والمقالات التي تناولت العلاقة بين "الإسلام والغرب" ولن أؤكد على استحالة اللقاء بين الشرق والغرب انطلاقاً من أشعار كبلنج وحتى نظرية هنتنجتون في صدام الحضارات

لن أقول شيئاً لأنني ­ شخصياً ­ لا أجرؤ على الكلام فقد تكلمت كثيراً في "سنوات السخونة" واكتشفت أن كلامي مجرد "عواء" لا يخيف أحداً، وليس له من أثر إلا الصداع، كنا نردد الشعارات الرنانة ونحلم أن الثورة على بعد خطوة واحدة وقبضة يد، وكنا نهدد ونردد ونطلق التصريحات قبل أن تفرقنا قنابل الغاز وهروات الأمن المركزي، وفي الليل نتسامر ونضحك ونختزن القفشات لأيام كتابة المذكرات، كنا جنرالات نقسم غنائم السلطة ونحن نحتسى الشاي ونستمع إلى أغاني مارسيل خليفة وأشعار مظفر النواب ونرصع الجدران بصور ناصر وجيفارا ورسومات ناجي العلى.. تذكرت الأيام الخوالي وأنا أرى أسامة بن لادن يردد أوهامنا الجميلة: أقسم بالله العظيم الذي رفع السماء بلا عمد لن تحلم أميركا ولا من يعيش في أميركا بالأمن قبل أن نعيشه واقعاً في فلسطين وقبل أن تخرج جميع الجيوش الكافرة من أرض محمد صلى الله عليه وسلم.
أمنية جميلة في عبارات بليغة، لكن يا ترى أي نوع من الكلام تكون؟ ومتى تطيعنا الأمنيات وتدين لنا الكلمات؟
أنا ­ شخصياً ­ لا أعرف، لذلك توقفت عن "العواء" وإن كنت لا أزال أفضل سماعه من الغير فهو يمنحني جرعة المخدر الكافية لتحمل آلام الواقع المخزي الذي نعيشه ولأنني لا أجرؤ على الكلام، ولأنك لا تجرؤ على الكلام، ولأنها لا تجرؤ على الكلام، ولأنكم لا تجرأون على الكلام، ولأننا لا نجرؤ على الكلام أترك بقية المساحة لنوع من الـ"عواء" يريحني في هذه اللحظات وهو للشاعر الأميركي آلان جينسبرج أحد رموز جيل الغضب الذي قال في رسالة يشرح فيها لوالده أهداف حركتهم الأدبية: لقد اشتكى ويتمان منذ وقت بعيد بأنه ما لم تلطف قوة أميركا المادية بحقن روحي من نوع ما، فسوف ننضم في نهاية الأمر إلي "الملعونين الخرافيين" ونحن نقترب بالفعل من هذه الحالة

وفي قصيدته عواء وصف أميركا بالإله السامي "المولوك" الذي يتم تقديم الأطفال الأبرياء له كقرابين يشويها على ذراعية الناريين
وفي مقطع من عواء يقول:
إنه المولوك.. القذارة والعزلة والدمامة والدولارات صعبة المنال، صراخ الأطفال تحت الطرق النجمية، تهتهة الغلمان في الجيوش، قاعدة الحرب الكبرى للحكومات المذهولة المصعوقة عقله مادي بحت، دمه يسيل نقوداً، أصابعه عشرة جيوش، صدره محرك لأكل لحوم البشر أذنه مقبرة يتصاعد منها الدخان، عيناه ألف نافذه عمياء، تقف ناطحات سحابه كإله يهودي.. لا ينتهى عشقه للنفط والحجارة، روحه الكهرباء والبنوك، يفتقر لطيف العبقرية.
وفي مقطع من نشيد الرعاة يقول: وخلال الف سنة إذا كان هناك تاريخ سيذكر الناس أميركا كبلد صغير مقرف.

وفي قصيدة الغبي يقول:
الغبي يدير العالم الغبي هو النتاج الأخير للرأسمالية الغبي يدير المباحث الفيدرالية منذ عينه روزفلت ولم يطارد قط المجرمين الحقيقيين الغبي يحرق القمح لتظل الأسعار مرتفعة في الأسواق، الغبي بنى مركز التجارة العالمى على شاطئ نيويورك دون اعتبار لمكان تصريف النفايات.

وفي قصيدة "الكابيتول فضاء الكراهية" يقول:
لا أحب الحكومة حيث أعيش وأكره ديكتاتورية الأغنياء لا أحب الثورة المضادة التي تمولها المخابرات الأميركية، مائتا بليون دولار تضخها أميركا من أجل اشعال الحروب كل سنة ويطلبون المزيد، انهضوا.. انهضوا ياسكان العالم واستخدموا رئاتكم ردوا على الطغاة فكل ما يخافونه هو ألسنتكم؟
فهل فعلاً هناك من يقدر على إخافة أميركا حتى بالكلام؟.. فلنجرب

e.mail:tamahi@hotmail.com